الشيخ محمد هادي الأميني
50
أصحاب أمير المؤمنين ( ع ) والرواة عنه
أعظم الناس في ذلك بلية ، القراء المراءون ، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك ، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ، ويقرّبوا مجالستهم ، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل ، حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب ، والبهتان ، فقلبوها ، ورووها ، وهم يظنون أنّها حقّ ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها . فلم يزل الأمر كذلك حتّى مات الحسن بن عليّ ( عليه السلام ) ، فازداد البلاء والفتنة ، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلّا وهو خائف على دمه أو طريد في الأرض . ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين ( عليه السلام ) ، وولي عبد الملك بن مروان ، فاشتد على الشيعة ، وولّى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرّب إليه أهل النسك والصّلاح والدّين ، ببغض عليّ ، وموالاة أعدائه ، وموالاة من يدّعي من الناس أنّهم أيضا أعداؤه فأكثروا في الرواية في فضلهم ، وسوابقهم ، ومناقبهم ، وأكثروا من البغض من عليّ ( عليه السلام ) ، وعيبه والطعن فيه ، والشنآن له حتّى إنّ إنسانا ، وقف للحجاج ، ويقال إنّه جدّ الأصمعي عبد الملك بن قريب - فصاح به أيّها الأمير إنّ أهلي عقوني ، فسمّوني عليّا ، وإنّي فقير بائس ، وأنا إلى صلة الأمير محتاج . فتضاحك له الحجاج ، وقال : للطف ما توسّلت به قد وليتك موضع كذا « 1 » . هذه واحدة من الصّور المؤلمة الدامية ، والظروف القاسية الحالكة التي اجتازت حياة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وحياة ذويه العترة الطاهرة . . . وشيعته وأصحابه وأنصاره ورواته . . . ولو أردنا استقصاء كافة صورها البشعة ، وألوانها التعسة لافتقرنا إلى مجلّدات ، ومجلّدات ، ولكنّنا لضيق المجال نضرب عنها صفحا ، ونحيل القارئ الكريم إلى كتب التأريخ والسير . وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ « 2 » .
--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 11 / 439 - 46 . ( 2 ) سورة إبراهيم / 42 - 43 .